الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
189
تفسير روح البيان
أمكنها ان تتلقى من عالمها بعض الغيب فلا يستبعد أن ترتقى أفق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة اى النفوس المجردة ولما كانت أرضية ضعيفة بالنسبة إلى القوى السماوية تأثرت تلك القوى فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها وادراك مداها من العلوم ولا ينكر أن تشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق وتهلك أو تنزجر عن الارتقاء إلى الأفق السماوي فتتسفل فإنها أمور ليست بخرجة عن الإمكان وقد اخبر عنها أهل الكشف والعيان الصادقون من الأنبياء والأولياء خصوصا أكملهم نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وهي في الوجود الإنساني لاستتارها في غيب الباطن فَقالُوا لقومهم عند رجوعهم إليهم إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً اى كتابا مقروأ على لسان الرسول عَجَباً مصدر بمعنى العجيب وضع موضعه للمبالغة والعجيب ما خرج عن حد اشكاله ونظائره والمعنى بديعا مباينا لكلام الناس في حسن النظم ودقة المعنى وقال البقلى كتابا عجيبا تركبه وفيه إشارة إلى أنهم كانوا من أهل اللسان قال عيزار بن حريث كنت عند عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه فأتاه رجل فقال له كنا في سفر فإذا نحن بحية جريحة تتشحط في دمها اى تضطرب فان الشحط بالحاء المهملة الاضطراب في الدم فقطع رجل منا قطعة من عمامته فلفها فيها فدفنها فلما أمسينا ونزلنا أتانا امرأتان من أحسن نساء الجن فقالتا أيكم صاحب عمرو اى الحية التي دفنتموها فأشرنا لهما إلى صاحبها فقالتا انه كان آخر من بقي ممن استمع القرآن من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان بين كافرى الجن ومسلميهم قتال فقتل فيهم فان كنتم أردتم به الدنيا ثوبناكم اى عوضناكم فقلنا لا انما فعلنا ذلك للّه فقالتا أحسنتم وذهبتا يقال اسم الذي لف الحية صفوان بن معطل المرادي صاحب قصة الافك والجنى عمرو بن خابر رحمه اللّه يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ إلى الحق والصواب وصلاح الدين والدنيا كما قال عليه السلام اللهم ألهمني رشدى اى الاهتداء إلى مصالح الدين والدنيا فيدخل فيه التوحيد والتنزيه وحقيقة الرشد هو الوصول إلى اللّه تعالى قال بعضهم الرشد كالقفل خلاف الغى يقال في الأمور الدنيوية والأخروية والرشد كالذهب يقال في الأمور الأخروية فقط فَآمَنَّا بِهِ اى بذلك القرآن ومن ضرورة الايمان به الايمان بمن جاء به ولذا قال بعضهم داخل اندر دعوت أو جن وانس * تا قيامت امتش هر نوع وجنس اوست سلطان وطفيل أو همه * اوست شاهنشاه وخيل أو همه وَلَنْ نُشْرِكَ بعد اليوم البتة اى بعد علمنا الحق بِرَبِّنا أَحَداً حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد اى لا نجعل أحدا من الموجودات شريكا له اعتقادنا ولا نعبد غيره فان تمام الايمان انما يكون بالبراءة من الشرك والكفر كما قال إبراهيم عليه السلام انى برئ مما تشركون فلكونه قرءانا معجزا بديعا موجب الايمان به ولكونه يهدى إلى الرشد موجب قطع الشرك من أصله والدخول في دين اللّه كله فمجموع قوله فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا مسبب عن مجموع قوله انا سمعنا قرءانا عجبا يهدى إلى الرشد ولذا عطف ولن